محمد أبو زهرة

1609

زهرة التفاسير

النوع تربية يكون بها الإلف والائتلاف مع المجتمع الذي ينشأ فيه . وقد ابتدأ بإبعاد ما من شأنه إفساد بناء الأسرة ، وهو الفاحشة ، فإن مثل من يبنى الأسرة كمثل من يبنى قصرا مشيدا ، ينقى أولا مواد البناء من العناصر التي لا تجعله قويا متماسكا ، أو تكون مواد تنقض بناءه ، ولذا قال سبحانه وتعالى : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فحش معناها زاد ، وأطلق على الزيادة التي لا تسر ، وأطلق على القبيح من الأفعال ؛ لأنه انحراف عن الفطرة . وقد جاء في مفردات الراغب : « الفحش والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال » ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ( 28 ) [ الأعراف ] . وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ( 90 ) [ النحل ] . مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ( 30 ) [ الأحزاب ] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ( 19 ) [ النور ] إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ( 33 ) [ الأعراف ] إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ( 19 ) [ النساء ] كناية عن الزنا ، وكذلك قوله تعالى : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ( 15 ) . فالفاحشة هنا هي الزنا ، والله سبحانه وتعالى يعبر عن هذه المعاني التي لا تألفها النفس الكريمة بعبارات تسترها ، فتكون الكناية بدل التصريح ، وذلك من تأديب الله لنا في التعبير . وقد ذكر سبحانه وتعالى علاج النساء اللائي وقعن في ذلك الأمر المنكر ، وقد سماه بهذا الاسم كما سماه بأنه « إدّ » « 1 » ، فكان علاجهن بأمرين أحدهما - يختص بهن ، والثاني - يشتركن مع الرجال فيه ، فأما الذي يختص بهن فهو إمساكهن في البيوت ، وليس الإمساك معناه الحبس والتضييق المجرد ، بل الإمساك

--> ( 1 ) أي سمى الله تعالى الأمر المنكر بالفاحشة ، كم سماه ( أي الأمر المنكر بالإد ) قال الرازي في تفسيره سورة النساء ( 15 ) : « قوله : يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ أي يفعلنها يقال : أتيت أمرا قبيحا ، أي فعلته قال تعالى : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( مريم : 27 ) وقال : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( مريم : 89 ) » . وفي لسان العرب ( أدد ) الإدّ هو العجب والأمر الفظيع العظيم والداهية .